آخر المواضيع

الأحد، 9 أغسطس 2026

رسوم التوقيت الميسر والحق الدستوري في التعليم بين موقف محكمة النقض والمستجدات التشريعية



تعد العلاقة بين الاستقلال المالي للجامعة وبين الحق الدستوري في التعليم من أدق الإشكالات التي عرضت على القضاء الإداري المغربي، وقد حسمت محكمة النقض هذا النزاع في ظل القانون 01.00 الذي تم نسخه، بمبادئ صارمة، قبل أن يتدخل المشرع عبر القانون الجديد 59.24 لإعادة هندسة هذه العلاقة.
وسنحاول تفصيل المبادئ التي وضعتها محكمة النقض للحق الدستوري في التعليم في ضوء المستجدات التشريعية التي أتى بها القانون الجديد 59.24
 أولا: التأصيل القضائي لعدم مشروعية الرسوم (مرحلة سيادة القانون 01.00)
استندت محكمة النقض في قراراتها النوعية (رقم 976/1 و977/1 والقرار رقم 16)، والتي ستجدون رابط تحميلها في آخر هذا المقال، إلى توليفة بين المرجعية الدستورية والشرعية الإجرائية، ويمكن رصد ذلك في النقاط التالية:
1.     سمو المبدأ الدستوري على التنظيم الإداري:
انطلقت المحكمة من أن التعليم "يعد من أهم وظائف الدولة"، وهو حق دستوري مكفول بموجب الفصل 31 من الدستور. وعليه، فإن أي تنظيم تشريعي أو إداري لهذا الحق يجب أن يقف عند حدود "عدم المصادرة أو الانتقاص"، وهو ما جعل المحكمة تضع الفلسفة الحقوقية كإطار حاكم لتفسير النصوص القانونية المنظمة للجامعات.
2.     حصر الموارد المالية ومبدأ "ضيق التفسير":
بالرجوع إلى المادة 18 من القانون رقم 01.00، استخلصت المحكمة أن المشرع حصر إمكانية استخلاص الرسوم في التكوين المستمر فقط. وبناء على قاعدة "لا رسم بدون نص"، اعتبرت المحكمة أن إقحام رسوم على التكوين الأساسي (سلك الدكتوراه) هو إحداث لمركز قانوني جديد بغير سند، مما يجعل قرار مجلس الجامعة مشوبا بعيب مخالفة القانون.
3.     تهافت تبرير "الخدمة المرفقية الإضافية":
حاولت الجامعات تبرير الرسوم بأنها مقابل حصص تقدم خارج أوقات العمل الرسمية (الجمعة والسبت والأحد) لتغطية تعويضات الأساتذة. إلا أن محكمة النقض تصدت لهذا الدفع، معتبرة أن طبيعة مهمة الجامعة تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة، وأن القانون هو الذي يحدد مواردها المالية لتغطية كافة مصاريفها، بما فيها الساعات الإضافية، دون تحميل الطالب الموظف وزر ذلك.
ثانيا: التحول التشريعي في المادة 81 من القانون 59.24 (تجاوز الاجتهاد القضائي)
تنص المادة 81 من القانون الجديد 59.24 على:
"لمؤسسات التعليم العالي أن تنظم تكوينات مؤدى عنها في إطار التكوين الأساسي الملقن في توقيت ميسر والتكوين المستمر.
تنظم التكوينات الأساسية المعتمدة في إطار التوقيت الميسر لفائدة العاملين بالقطاعين العام والخاص وكل الأشخاص الراغبين في ذلك.
ويختتم التكوين المستمر بشهادات خاصة، تسلمها مؤسسة التعليم العالي المعنية، ويشار فيها وجوبا إلى عبارة «تكوين مستمر»."
جاءت المادة 81 من القانون الجديد رقم 59.24 لتمثل استجابة تشريعية لمطالب الجامعات وتجاوزا صريحا للمبادئ التي أرستها محكمة النقض، وذلك عبر الآليات التالية:
1.     شرعنة "التكوين الأساسي المؤدى عنه":
لأول مرة في تاريخ التشريع الجامعي المغربي، يتم التنصيص صراحة على إمكانية تنظيم "تكوينات مؤدى عنها في إطار التكوين الأساسي". هذا المقتضى يسحب البساط من تحت أهم مرتكز لقرارات محكمة النقض وهو "انعدام السند القانوني".
2.     تنميط "التوقيت الميسر":
اعتمد المشرع مفهوم "التوقيت الميسر" كوعاء قانوني جديد، وهو موجه خصيصا لـ "العاملين بالقطاعين العام والخاص" وبذلك، لم يعد العمل خارج التوقيت الرسمي مجرد ممارسة إدارية ترفضها المحكمة، بل أصبح نظاما قانونيا قائما بذاته يجيز استخلاص الرسوم.
3.     فك الارتباط بين "الشهادة" و"المجانية":
في السابق، كان التكوين الأساسي مرادفا للمجانية، والتكوين المستمر مرادفا للأداء؛ لكن المادة 81 المشار إلى نصها أعلاه، كسرت هذه الثنائية، بجعل الأداء مرتبطا بـ "نمط التلقين" الذي هو التوقيت الميسر، وليس فقط بـنوع الشهادة.
 ثالثا: القراءة النقدية وآفاق النزاع القضائي المستقبلي
على الرغم من التحصين التشريعي الذي حاولت المادة 81 من القانون رقم 59.24 توفيره، إلا أن الدفع بعدم المشروعية يظل قائما في الفقه القانوني المعاصر من خلال مدخلين:
1-    مدخل الرقابة الدستورية:
يبقى تعليل محكمة النقض بأن الحق في التعليم لا يجوز "مصادرته أو الانتقاص منه" مرجعا أساسيا. فإذا كانت الرسوم المقررة بموجب المادة 81 تتجاوز القدرة المادية للموظف البسيط أو تهدف إلى الربحية الصرفة، فإنها تخرج عن نطاق التنظيم لتسقط في فخ "المصادرة المقننة" للحق في التعليم.
2-    مدخل الحقوق المكتسبة وعدم الرجعية:
أكدت المحكمة أن التسجيل واستيفاء الشروط البيداغوجية يولد "حقا مكتسبا يحميه القانون". وبالتالي، فإن المادة 81 من القانون رقم 59.24 لا يمكن أن تسري على الطلبة الموظفين المسجلين قبل صدورها، لأن مراكزهم القانونية استقرت في ظل مجانية التكوين الأساسي التي كرسها القضاء.
ختاما، يمكن القول إن المشرع المغربي عبر المادة 81 من القانون رقم 59.24 قد أحدث "ثورة مضادة" على اجتهاد محكمة النقض، محولا ما كان يعتبره القضاء شططا في استعمال السلطة إلى ممارسة قانونية مشروعة. ومع ذلك، يظل القضاء الإداري مدعوا لمراقبة مدى تناسب هذه الرسوم مع الغاية الدستورية من المرفق العام التعليمي، لضمان عدم تحول الجامعة من منارة للعلم إلى مؤسسة جباية مالية.


كتبه د. أحمد أمين


قم بتحميل قرارات محكمة النقض محل التحليل من الروابط التالية

القرار الأول

القرار الثاني

القرار الثالث


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *